الأخبارالمزيدرؤى وآراء

من أين جاء كل هذا الشر ؟!

بقلم / المهدي يوسف كاجيجي

حكاية الدكتور (أبو بكر الاجنف) إخصائي القلب، وصورته المفزعة التي تداولتها صفحات التواصل الاجتماعى، تحولت إلى كابوس مرعب، يهاجم ليالينا الكئيبة بفعل الحرب الغبية التى تلتهم فلذات أكبادنا، والمظلمة بفعل الانقطاع المتواصل للكهرباء.

أنا لا تهمني الأسباب التى بسببها تعرض انسان بشر من لحم ودم لهذا الكم من الضرب والتعذيب، إن كان بسبب السرقة أو الانتقام؛ لأن كل ما جرى لا يبرر كل هذه القسوة وكل هذا الشر.

اختطاف فى طرابلس 
صديقي تاجر في أشهر سوق جملة فى طرابلس. فى وضح النهار، وساعة الذروة، هجمت مجموعة مسلحة متجره، وقامت باختطافه علنا، أمام العاملين والزبائن وأصحاب المحال المجاورة،لم يتحرك أحداً.

فى الطريق عصبوا عينيه، بعد ذلك تم توثيق يديه وقدميه وتم حشره فى ( الكوفونو ) أي الصندوق الخلفي للسيارة، وتم التبادل عليه بالضرب المبرح، والشتائم المقذعة، وكلما تعقدت المفاوضات بينهم وعائلته حول قيمة الفدية المطلوبة اشتدت وامتدت جلسات التعذيب.

يقول ضاحكا: الغريب إنه حتى وبعد الوصول للاتفاق واستلامهم للفدية، ظلوا يواصلون الضرب، وعندما سألهم مسترحما عن السبب ؟، أجاب أحدهم وعيناه تقدح شراً: عندى ” غوستو “، وهي كلمة إيطالية تعني المتعة.

سرقة مسلحة فى سبها
منذ أيام وفى سبها عاصمة الجنوب الليبي المنكوب اغتيل المواطن (الحاج امبارك التواتي) علقت الكاتبة والصحفية سليمة بن نزهة رئيسة تحرير صحيفة (فسانيا) على صورته المنشورة على صفحتها : [ قتل هذا الطيب، دفاعا عن نفسه، عن سيارته، عن ممتلكاته. واستقبل بصدرٍ عارٍ وابلا من رصاص المجرمين والقتلة ، قتل ولم يسلّمهم سيارته في أكبر شوارع المدينة، وأمام أعين المارة، أمام صمتهم وذلهم ورضوخهم، في شارع تتواجد فيه مديرية أمن سبها ، وأفراد الدعم المركزي، فى مدينة فقدت كل مقومات المدنية، وعادت لحياة الأدغال والغابات.]

مقبرة المياه
“إنني أشعر بالخجل، ولا يهمني من فعل ذلك مادام ينتمي إلى البشرية، فأنا أخجل لبشريّتي”.

عبارة وردت على لسان بطل رواية ( مقبرة المياه ) بقلم الدكتور محمد عبدالمطلب الهوني، التي يروي فيها التجربة المريرة المذلة التي يتعرض لها المهاجرون، من الذين قادهم حظهم التعس لعبور ليبيا، وما يتعرضون له من إهانات، وسخرة، ونهب لمدخراتهم، وتعرضهم للضرب ونسائهم للاغتصاب : “قوم غلاظ يضربون أيّ فرد منّا لأتفه الأسباب”؛ حيث يتم حجزهم فى أماكن تفتقد لأقل المتطلبات الآدمية : “هواء ثقيل فيه رائحة العرق والبول وكل الغازات العفنة”.

عند الانتهاء من قراءة الصفحة الأخيرة من الرواية، سيشعر القارئ بخجل الانتماء لبلد يشاركك العيش فيه هذا النوع من المخلوقات الشريرة، وأنا اجزم، إن ما ذكره الدكتور الهوني، قليل من كثير جدا، عن الجرائم التى ارتكبت فى حق هؤلاء المساكين والتى تم توثيقها لتتحول إلى شهادات ادانة، عن ما جرى لهؤلاء التعساء فى ليبيا، البلد الذى تحول إلى اكبر مركز للنخاسة وتهريب البشر فى الشمال الأفريقي، جرائم ستلاحقنا مستقبلا وتلاحق اجيالا من بعدنا.

من أين جاء كل هذا الشر ؟!
يا الله،أى شر حل بنا، وأى لعنة.

أى بلد هذا إذا ظهرت عليك النعمة فيه خطفوك, وإذا افتقرت أحتقروك، وإذا اعتكفت فى بيتك قتلوك بصاروخ طائش، وإذا هربت بجلدك سرقوك.

بلد يتاجر أهله بمصائبه فقدوا النخوة، وسكتوا عن الحق، وظلموا الغريب والقريب وانقسموا ما بين خائف وشامت، أحلوا الحرام وحرموا الحلال.

بلد تعداده السكاني أقل من تعداد حي سكني في واحدة من دول الجوار مترامي الأطراف غني بموارده الطبيعية، لو باعوا سمكاً من ساحله الطويل لكان كافيا لحياة رغدة كريمة.

بلد هرب منه الحب، وعشعش فى جوانبه الشر؛ والسؤال الأن : من أين جاء كل هذا الشر ؟!.


  • المهدي يوسف كاجيجي
  • كاتب صحفي ليبي من رواد الصحافة الليبية
اوسمه
اظهر المزيد

أخبار وتقارير ذات صلة

اقرأ أيضا

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى