الأخبارالمزيدرؤى وآراء

صناعة القانون مهنة واحتراف في دولة المؤسسات

اقرأ في هذا المحتوى

  • كيف تصنع القوانين؟ ومن يعد مشاريعها؟
  • ما هو البديل المقترح لتسجيل الشركات بسرعة وفاعلية؟
  • ما دور الحكومة في هذه المرحلة؟
  • ما هو الاشكال الرئيس لصناعة القوانين؟
بقلم / البوديري شريحة

إن القانون هو التشريع الذي يتم صناعته داخل المجالس النيابية (البرلمانات) باعتباره المصدر الرئيس للمشروعية في أي بلد.

وإذا كان التشريع هو وسيلة هامة لتوحيد النظام القانوني والشرعية في الدولة، وعاملاً أساسياً لتحقيق التوافق والوحدة الوطنية، وزيادة الإستقرار والسلم الإجتماعي؛ فإنه يتعين أن يتسق هذا القانون وروح المجتمع وثقافته، ويتلاءم مع قيمه السائدة ومتطلباته، كيما يحقق التوازن بين المصالح المختلفة، بغية الحفاظ علي الثقة في المعاملات والمراكز القانونية المكتسبة، ويضمن تكافؤ الفرص للجميع، ويسهم في دوران عجلة الدولة ومنظومتها من خلال اختزاله للواقع والرؤية الإستشرافية للمستقبل.

صناعة القانون سياسة قبل أن تكون صياغة:

فصناعة القانون سياسة قبل أن تكون صياغة، ومهنة واحتراف قبل أن تعد تقليد وإتباع، لكونها مسطرة توازن بين التوجهات الفكرية والمعطيات الواقعية بقالب شكلي محكم ومنضبط كضمانة أساسية لولادة مشاريع القوانين دون أن يشوبها عيب عدم الدستورية من جهة، أو ينتابها مرض الإسهال في الإستثناءات والتعديلات من جهة أخرى، وحتى توفر الوقت والسهولة في تنفيذها من الإدارة والأشخاص ، و تجد في القضاء مبتغاها في التطبيق والإعمال دون قصور وغموض.

من يعد مشاريع القوانين؟

فالبرلمان (مجلس النواب أو ما حكمه) يعد السلطة المناط بها سن القوانين، و إن أضحى اليوم –دستوريا- في عدد من الدول وظيفة إعداد مشاريع القوانين قد باتت فعلا اختصاص أصيل ترتبط بالسلطة التنفيذية (الحكومة)، بسبب درايتها باحتياجات الواقع وسياسات العمل.

ولكن ما لم تدركه هذه الأخيرة في ليبيا أن صناعة التشريع وآلية ولادته تتطلب معرفة بتجارب الدول، بدءا من دراسة مشروع التشريع وأخذ الردود عليه ومناقشته، لكونه لا يتوقف، وحدود تشكيل لجنة أو فريق عمل قانوني يناط  به القيام بهذه المهمة  والتي يقتصر عادةً عملها في تجميع الجاهز من تشريعات الدول الأخرى، وإعادة تفريغها في قالب جديد ربما لا يعكس بدوره أو يختزل الواقع الليبي والخصوصية الثقافية لمجتمعنا.

كيف نصنع قانون متزن؟

بل ويزيد الحال تعقيدا أنه لا يتم استحضار مساهمة الأكاديميين والمهنيين وأصحاب الأعمال والمواطنين عبر منظمات المجتمع المدني والدولة كمؤسسات، من خلال تسخير الوسائط الإلكترونية والصحافة والإعلام، بل وإقامة ورش العمل والمؤتمرات المتخصصة، ولو استغرقت منا بعض الوقت في إظهار العمل القانوني ليكون دائما ومجملا، وحتى يعكس متطلبات واقعنا،  ويتبنى فلسفة توجهنا المستقبلي خاصة في المرحلة الإنتقالية لإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية.

وينتهي ختاما بمراجعة تقوم بها سلطات الدولة المختصة، شريطة أن يتم الأخذ في الإعتبار تطبيقه، أن يمر بمراحل زمنية كافية للحفاظ على الثقة، واستقرار المراكز القانونية القائمة أثناء إدخال التشريع لمرحلة النفاذ.

ولعل في هذا السياق نجد البادرة التي قامت بها منظمة مدنية (مركز ليبيا للتحكيم) كمبادرة لعقد أول مؤتمر دولي للتحكيم في ليبيا نهاية العام 2017 م، والذي طرح  مناقشة “مسودة مشروع قانون التحكيم الليبي” باللغتين العربية والانجليزية، تعد انعكاسا لدور منظمات المجتمع المدني والمراكز البحثية والقطاع الخاص عموما، في تبنى والدفع بمثل هذه المبادرات المستقلة  لتساعد  جهات الاختصاص في تحديث المنظومة القانونية للدولة.

وقبلها كانت المبادرة التي تبنتها وزارة الإسكان بالتعاون مع شركة كلايد آند كو للمحاماة من خلال عقد مؤتمر دولي  محوره “مسودة مشروع قانون للشراكة بين القطاعين العام والخاص لليبيا” والذي عقد بمدينة طرابلس عام 2013م.

وهذا التوجه ينصب ضمن أهداف الحكومة في السنوات الأخيرة القائم على منهج مراجعة النظم القانونية السارية، من خلال  إصدارها عدة  قرارات مرتكزها الرئيس تشكيل عددا من اللجان القانونية التي أسند إليها مهمة إعادة تقييم وإعداد مشاريع القوانين.

وكذا مسلكها في دعم إدارة القانون بالمجلس الأعلى للقضاء بالكفاءات، إلا أن هذه المساعي  تتطلب حقا التفكير – خارج الصندوق- وذلك من تجربتي أن ما يعاب عليها – أي اللجان القانونية –  كون عددا كبيرا من أعضائها (وهم زملاؤنا ونقدر لهم كل التقدير الاحترام) يمتهنون مهنة القانون لسنوات طويلة سواء في الجانب الأكاديمي أو تحرير العقود او العمل بالهيئات القضائية وغيرها، لم تتاح لهم فرص التواصل والإطلاع على تجارب الآخرين سواء بالعمل والتنقل؛ مما يجعل المخرجات المرتقبة من هذه اللجان في تطوير المنظومة التشريعية عموما و الأعمال خصوصا، ربما يشوبها بعض السلبيات في كونها أي التحديث التشريعي ربما ينحرف عن المبتغى، وقد يتم إخراجها أى التشريعات  المنتظرة -شكليا-  بما تتفق والنمط القانوني، ولكن – موضوعيا – تخالف المقصد العام والذي نصبو إليه لإعادة إنتاج المنظومة التشريعية للدولة بمكنة عملية تحقق التوازن المنشود بين الحماية والإنفتاح و الإستشراف والمعطيات ، على أسس قاعدية لدولة عصرية مدنية يقود القطاع الخاص بها الدور الرئيس في إعادة بناء الدولة وتحريك اقتصادها، آخذين في الإعتبار إستراتجية أن تكون ليبيا المركز التجاري والمالي لمنطقة شمال أفريقيا وجنوب البحر المتوسط مستقبلا.

تجارب سابقة:

هذا يدفعني إلى الإستشهاد فى سياق هذا المقال  بورقة كتبتها – عندما كنت مقررا وعضوا في اللجنة الليبية البريطانية لتطوير التشريعات المصرفية والاقتصادية في ليبيا-  عام 2005 م بعنوان ” نحو قانون موحد للشركات في ليبيا”، والتي اقترحت فيها عددا من الأفكار بالرغم من البيئة القانونية غير المشجعة ، ولعل أهم مآخذها الإفتقار إلي تشريعات تنظم المعاملات والتجارة الالكترونية في ليبيا وكذا عدم الإعتراف بالإثبات الإلكتروني قانونا.

مما كان إلزاما  مهنيا التفكير ” خارج الصندوق”، وذلك بتوظيف الوسائط الإلكترونية في تأسيس وإشهار الشركات –عمليا- وبما يتماشى والقانون،  والذي توصلت – بعد مناقشة المقترح مع بعض المختصين خاصة الفنيون في اللجنة التنفيذية للاستراتجيات (والذى خلفها مجلس التطوير الإقتصادي) – إلى إمكانية بناء منظومة تأسيس وتسجيل الشركات من خلال سلك محرري العقود باستخدام الوسائط الإلكترونية، ووفقني الله إلى اقتراح إنتاج منظومة ما يسمى اليوم ” مركز الغد للأعمال”، والتي يتم من خلالها تسريع تأسيس وتسجيل الشركات في ليبيا .

أما اليوم– وفى هذا المقال وأرغب أن انتهز الفرصة-  بأن أذهب إلى أكثر من ذلك في أهمية تحديث التطبيقات القائمة طالما البيئة القانونية بعد الثورة، ربما تسمح لنا بالمساهمة أكثر في إبداء الرأي والمشاركة بمقترحاتنا، والتي أتمنى أن تصل إلى الساسة وصانعي القرار في ليبيا.

مقترح لتسريع تسجيل الشركات:

وهو اقتراح إلغاء الحاجة إلى وجود وسيط في تأسيس وتسجيل وتعديل الشركات من خلال محرري العقود، ليس فقط احتسابا للتكلفة المالية أو الزمنية، بل أيضا إلى ضرورة تسريع العمل بها من خلال اللامركزية في الإدارة، أسوة بما عليه الحال في أغلب الدول الإقتصادية المتقدمة، من بريطانيا إلى أمريكا الشمالية واليابان وحتى سنغافورا وماليزيا.

فمرحليا يمكن أن يتم إدخال إستخدام مكاتب التراخيص التابعة لوزارة الإقتصاد في البلديات، بربطها بمنطومة مركزية للتأسيس والتسجيل، ومستقبلا من خلال استخدام الشبكة الدولية للمعلوماتية، ضمن ما يعرف ببرنامج الحكومة الإلكترونية، كما عليه الحال في نظام مصلحة الجوازات أو وزارة القوى العاملة، والتي لا تتطلب إلا دفع الرسوم المقررة وإستلام السجل التجاري كوثيقة تتضمن كل البيانات التجارية في ورقة واحدة شاملة.

وأن المنظومة الخاصة بالشركات والتجار مربوطة مع كل من وزارة الداخلية والضرائب ومصرف ليبيا المركزي والقوى العاملة والتأمين، حتى تتيح الإطلاع بكل ما يتعلق بالرخصة التجارية للشركة أو التاجر من الدولة والغير، وما يشجع  هذا التوجه أننا بصدد إنجاز العمل بمنظومة الرقم الوطني في أغلب الأنشطة والمعاملات .

ولأننا لا زلنا  لا نستطيع تجاوز السنة غير المستحسنة في إعداد مشاريع القوانين، لعلي استشهد في هذا المقام بما حدث ويحدث، في إننا نتلقى من حين إلى آخر خبر مناقشة مشروع  قانون، أو أنه  قد تم  إقامة أو تنظيم ورشة عمل مصغرة له، أو ملتقي، أو مؤتمر قبيل الحدث أو أثناء حدوثه.

وعلى سبيل الذكر أنه في السنوات السابقة طرحت فكرة إعداد “مشروع قانون الشركات التجارية” من جهة حكومية، ولكن للأسف لم نعثر على نسخة من المشروع إلا لاحقا،  ولم نجد الورشة المعلن عنها إلا خبرا عابرا في صفحة الكترونية.

فهل لازلنا نعمل بعقلية الانغلاق والكتمان، في دراسة مشاريع القوانين التي تمس الحياة اليومية للمواطن والدولة من خلال السرية التامة والتعتيم وبلجان تعمل في نمط واحد من التفكير .

كيف تصنع الآخرون القوانين:

ألا  يجدر بنا أن نتعلم كيف أن الآخرين يصنعون القوانين من خلال مستويات عدة من النقاشات والمداولات، وبمساهمة كل الأطراف، إضافة إلى اتباعهم للإجراءات المتعارف عليها في مراجعة مشاريع القوانين، بإشراك الكافة أي الفئات المجتمعية والمهنية.

بل أكثر من هذا وذاك، أنهم يحيلون مسودة التشريع في المسودات النهائية إلى عدد من المكاتب والشركات القانونية المتخصصة لإبداء رأيها  الفني حيالها، نظراً  لخبرتها العملية في مجال متابعة  إعمال التشريعات والممارسات القانونية في الدولة وقطاعاتها ، ويبقى في الختام للسلطة التشريعية الفصل في تقرير ما تراه مناسبا من عدمه وما يخدم المواطن والوطن.

رسالتي للحكومة:

لذا أتمنى من الحكومة الانتباه إلى عدم الانحراف عن المهنية و الاحترافية في صناعة القانون بحجة الوقت، أو الأولويات الوطنية، لأن آثار إظهار أي تشريع مشوه أو معيب بولادة غير طبيعية، يدفع المواطن نتائجه لاحقا مالا ووقتا.

ما هو الاشكال الرئيس في صناعة القوانين:

وفي ختام هذه المقاربة، أستحضر أهمية الوقوف على الإشكال الرئيس في صناعة التشريع، وهو ضرورة الإجابة على السؤال الجوهري: ماذا نريد من ليبيا أن تكون سياسيا واقتصاديا كدولة؟

لأن فاتحة توافقنا على تحديد هذه الرؤية ينعكس بالضرورة على قوة إنتاج أي تشريع بالمعيار الموضوعي، وتتأتى ولادته الطبيعية في إتباع المحطات المهنية والعملية بالمعيار الشكلي.

 

اوسمه
اظهر المزيد

أخبار وتقارير ذات صلة

اقرأ أيضا

إغلاق