الأخبارالمزيدرؤى وآراء

الطرف الثالث .. صوت الوطن

بقلم / ناجي أحمد المحروق

بين واقع اختيار احد الأمرّين، وتعمد تغييب حاضنته وقياداته الفاعلة! ليست بالمرة الأولى التي يجد المرء نفسه بين خيارين!!. بين خيارات فرضتها تعنت أطراف، واستعجال بعضها للحسم بقوة السلاح، وهو دليل على انسداد الأفق وجمود العمل السياسي (الحوار)، فيلجأون الى الصدام العسكري في نطاق الفعل والفعل المضاد.

نجد أنفسنا في مواجهة صدام بين معسكرين يحملون فكرة ومجموعة شعارات، لكنهم في تطبيق المشروع يفتقرون للأدوات ويعجزون عن الالتزام بمبادئ الفكرة، لأنهم ببساطة يحتكمون لمنطق المغالبة ويصطفون وفق مصالحهم، ويعولون على نتائج لا يملكون تقريرها.

فبعد إعلان التحرير واجهتنا موجة الثورة والثورة المضادة، ثم تلتها موجة الفجر والكرامة، واليوم نواجه موجة الجيش والميليشيات، في تكرار اختلفت عناوينه وإن لم تختلف أساليبه ونتائجه.

فما بين مطرقة حفتر-دمار، وسندان ميليشيات حماية المصرف المركزي وضواحيه، يفرض علينا من جديد الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك، إما بحجة إنهاء معاناة الدولة من حكم الميليشيات، أو بحجة صد مخطط نسف مشوار الدولة المدنية الوليدة، وكأنه لم ولن يوجد مسلك سوى اتباع أحد هذين الطرفين!

في العموم، لا يخلو الخياران من حقائق ولكنهما لا يخلوان من التناقضات؛ فكلاهما يتفق في أنهما يحتكران الحقيقة، ويشيطنان بعضهما، مع أن الفساد يغمرهما أفراداً وكيانات، ولكل منهما رؤية ومشروع حقيقته تتعارض مع قيام الدولة الوطنية المدنية التي يدعوان لنصرتها، وهما لا يملكان من أدواتها سوى بقايا مؤسسات هشة ووسائل عنيفة، وأساليب غير اخلاقية- وغير وطنية- والنتيجة دمار للمؤسسات، واستنزاف للثروات والمقدرات، ومعاناة المواطن، وتأجيل أو وأد الدولة المدنية الوطنية الواحدة!

أما في الخصوص، وهو ما يهمني، أن كلاهما يحتجزان ورائهما كتلة بشرية كبيرة، وقاعدة عريضة من الشرفاء وأحلام عادلة للبسطاء، لم تجد عنوان لها ولا حاضنة تمثلها فتستند بها، وترتكز عليها. هي قاعدة عريضة، تتطلع نحو الدولة المدنية، وترغب في ممارسة العمل السياسي المدني، واتباع المسار الديمقراطي للتغيير والتداول السلمي على السلطة.

قاعدة تحترم الأعراف القبلية وتقيد دورها في ساحة المصالحة وضبط السلم الاجتماعي، وتعول على ضرورة الالتحاق بركب العصر من تطور في الاتصال والتواصل والصناعة والتقنية والعلوم الحديثة، لنهضة الوطن والقضاء على داء السلبية والأنانية والجهل والأنا الليبية المتضخمة.

قاعدة ترفض منهج المغالبة، وتدفع نحو قيام دولة المواطنة، حيث الحقوق مكفولة للجميع والواجبات ملزمة على الجميع في وطن واحد، تنعم مكوناته-أرضا وشعبا ودولة وسيادة- بالحرية والعدالة والمساواة والأمن والأمان والتنمية والاستقلال. وهي قاعدة عريضة تنتظر من يأخذ بيدها قبل أن يجز بها (كالعادة) في معسكرات وتوجهات لا تمثل إلا جزء من تطلعاتها، وهي دائماً ما تُرتهن خلف أسوار التحشيد والتعبئة العاطفية وتحتجز وراء متاريس الاستقطاب وخطب المزايدات، فلا تملك إلا الصمت عن عجز وليس عن قناعة، أو الالتحاق بخجل بأكثر المعسكرات قرباً لأولويات مطالباتها.

هذه القاعدة موجودة، وهي تمثل غالبية الليبيين، وبجميع أطيافهم الاجتماعية والسياسية، وهي تعبر عن صوت الخيار الثالث، صوت ليبيا: الوطن الجامع، والعقل الراجح، وإرادة الشباب، وحكمة المشايخ، والذي لم ير النور بعد.

ختاماً، هذه القاعدة الليبية الوطنية، العريضة المغيبة قسراً وظلماً، أعتقد أنه قد حانت ساعة عملها، ولا يجب لها بعد اليوم أن تصمت أو تركن، أو تسمح بأن ترتهن أو ترضى بأن تحتجز أو تقبل بأن تمثل في خيارات القاصرين أو الطامعين أو الفاسدين ممن يتصدرون الساحة اليوم!

لا للحرب، ونعم للحوار نعم للدولة المدنية الوطنية ودام الوطن بأمن وأمان، أما أنا وأنتم فلا!


  • ناجي أحمد المحروق
  • رئيس منظمة جسور للسلام للتنمية والتحول الديمقراطي – ليبيا
اوسمه
اظهر المزيد

أخبار وتقارير ذات صلة

اقرأ أيضا

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق