الأخبارالمزيدتحقيقات وتقارير

أطفال الثلاجة بين الخرافة والإهمال

وكالة الصحافة الليبية – (وصلة LPA)

في ركن منزوِ داخل ثلاجة الموتى بمركز سبها الطبي يرقد أطفال لم تكتب لهم الحياة، بعضهم نزل ميتا وبعضهم مات بعد ولادته بأيام، وجودهم في هذا المكان أمر طبيعي، لكن الأمر غير الطبيعي هو نكران ذويهم لهم، فبحسب إدارة المستشفى فإن عددا غير قليل منهم يمكثون في الثلاجة وقتا أطول من المعتاد بسبب عدم اهتمام ذويهم بدفنهم!!

يقف العم (عبد الله) حائرا وسط المطهرة الوحيدة بثلاجة الموتى، حيث تقع عليه مسؤولية تغسيل وتكفين ثلاثة اطفال حديثي الولادة تركهم أهلهم دون سؤال.

يقول (عبد الله عثمان) وهو حارس ثلاجة الموتى بالمركز الطبي الوحيد في الجنوب، إن غالبية أهالي الأطفال الخدّج وحديثي الولادة لا يلقون بالا لأبنائهم بعد وفاتهم، فبعضهم يأتي بطفله للثلاجة ولا يعود لأخذه، بعضهم يخرج من المركز فور علمه بموت الطفل.

روائح لا تذهبها المباخر

 

تصوير : وكالة الصحافة الليبية

لا تملك ثلاجة الموتى بسبها، التي أنشئت عام 1975م ولم تخضع لأي تطوير من يومها، لا تملك الكثير من المستلزمات التي تمكنها من استيعاب نتائج هذه اللامبالاة، فالثلاجة اليتيمة مكتظة عن آخرها بجثامين المهاجرين الأفارقة مجهولي الهوية، والروائح المنبعثة منها نفاذة لا تنجح تلك المباخر الكثيرة التي يضعها العم عبد الله في التخفيف من حدتها.

“شن بندير بيه قضاء الله وصار” كان هذا رد (محمد عبدالله) الذي التقيناه داخل الثلاجة وهو يضع طفله الذي مات بعد ساعات من إنجابه، حين سألناه هل سترجع لدفن ابنك؟

كان الحزن باديا في صوته وعينيه وهو يجيبنا انه لن يعود، قال محمد إنها المرة الاولى الذي يتعرض فيها لموت طفل حديث الولادة، لديه ثلاثة بنات من قبل وصحتهن جيدة وكان يتمنى أن يكون هذا المولود ذكرا، ولكن خبر وفاته كان مؤلما لوالده، هذا الألم جعله غير مكثرت بإجراءات دفنه حسب تعبيره.

خرافة الرحمة تنزع الرحمة

 

تصوير : وكالة الصحافة الليبية

عدم الاهتمام بدفن الأطفال حديثي الولادة يبرره بعض الأهالي برغبتهم أن يدفن أبناؤهم مع شخص كبير، هذا ما حدثنا عنه (السنوسي عبد القادر)، الذي وضع طفلا حديث الولادة في ثلاجة الموتى وطلب من الغفير أن يدفنه مع اول جثمان لشخص بالغ، إذ يعتقد السنوسي أن ذلك يجلب الرحمة للمتوفي، وهو اعتقاد سائد في الجنوب وصار عادة يقدم عليها البعض في حال صادف وجود جثمان لشخص بالغ.

بحسب عجائز المدينة الذين التقاهم مراسل وكالة الصحافة الليبية في سبها، فإن هذا الاعتقاد مرده إلى فكرة تقول أن الجنين ملائكة فإذا دفناه مع بالغ نفعه لأن الله لا يعذب الملائكة أو من احتمى بهم!!

يرد عضو هيئة التدريس بكلية الدراسات الإسلامية بالجامعة الاسمرية فرع سبها (عبد السلام الماعزي) على هذا الاعتقاد بالقول “لا أصل له في الدين الإسلامي، والأصل في ديننا أن كل نفس بما كسبت رهينة، ولا يوجد دليل على أن دفن طفل مع شخص كبير يخفف أو لا يخفف عنه العذاب”، وأوضح بأن “دفن شخصين

في قبر واحد أمر غير مستحب في الظروف الطبيعية”، موصيا ذوي الأطفال الخدّج وحديثي الولادة بالرضى بقضاء الله والإسراع بإكرام أبناءهم، واحتساب أجر الصبر عند خالقهم.

رغم هذا يقول العم عبد الله لم تنجح كل نداءاتنا لأهالي الأطفال بمساعدتنا في دفنهم، فقلما يأتي أحدهم ويتابع غسل وتكفين ودفن طفله، وهو ما جعلنا لا ننتظر عودة أهل الجنين ونبدأ في إجراءات حفظه في الثلاجة حتى تسنح لنا بادرة دفنه مع أقرب جثمان.

سؤال بلا جواب.. لماذا يموت الأطفال؟

 

تصوير : وكالة الصحافة الليبية

يقول مدير دار الرحمة “ثلاجة الموتى” بمركز سبها الطبي (حسن الزروق)، إن الثلاجة مصممة لتستوعب 32جثمانا فقط، وهي سعة محدودة اليوم وبعد مرور 45عاما على إنشائها، وقد نضطر في بعض الأوقات لوضع جثمانين في الدرج الواحد، وأحيانا نضع ما يفيض عن سعة الثلاجة على الأرض وبين الممرات، فيصبح المنظر مأساويا ومحزنا لنا جميعا، وتزداد قتامة المشهد مع حضور أهالي الموتى وهم يبحثون عن أبناءهم بين الجثامين المتناثرة بين الممرات وبين الموجودة في الادراج، هذه المشاهد تظل في الذاكرة ومن الصعب محوها بحسب الزروق.

تستقبل ثلاجة الموتى يوميا ما بين أربع إلى خمس حالات وفاة لأطفال خدج، ويصل متوسط الحالات شهريا إلى خمسين طفلا تقريبا، وتضطر الثلاجة إلى إبقائهم لفترة تمتد من ثلاثة أسابيع إلى الشهر لتتمكن من دفن مجموعة من الأطفال الذين تركهم أهاليهم.

اللافت هنا أن هذا الرقم لم يخضع للدراسة لمعرفة لماذا يموت الأطفال حديثي الولادة؟

اكرموا ابني .. رجاء

 

الحزن كان واضحا في صوت (هنية عبد القادر) 37سنة، وهي والدة أحد الأطفال الخدّج، تقول علمت بوفاة ابني فور ولادته، وطلبت من القابلة ان تقربه مني لأقبله، شعرت به يسري في عروقي، احتضنته وتخيلت أني اسمع صراخه، أمسكت بيده واطرافه الصغيرة وصرت أشم رائحته، وانتابتني موجة من البكاء وأخذوا مني الطفل.

تصوير : وكالة الصحافة الليبية

تضيف (هنية): “مررت بحالة عصيبة ليومين، وعلمت صدفة أن والده لم يدفنه وأن ابني لايزال ملقى في أحد أدراج ثلاجة الموتى مع جثث مجهولة الهوية، وقد آلمني هذا المصير الذي كان ينتظر ولدي، تشاجرت مع زوجي ورجوته أن يدفن ابننا بأسرع ما يكون، زوجي لم يشعر بأهمية هذا الدفن لذلك تساهل وأهمل السؤال عن طفلنا، ولكني تعلقت به وكان قطعة من روحي، لذا كنت مصرة على أن يدفن ويكرم”.

أما (خالد ناجم) وهو أب لخديج توفي حديثا يعد من القلائل الذين تابعوا عملية تغسيل وتكفين ودفن أطفالهم، فقال لنا إن وفاة الطفل الذي كنت انتظره بفارغ الصبر هو اختبار من رب العالمين، وغسله ودفنه هو تمام الشكر لله والرضا بقضائه، ويرى خالد إنه من غير اللائق أن يُترك الطفل وسط الثلاجة المليئة بجثث مجهولة الهوية وفي اوضاع غير لائقة بالإنسان، يقول خالد المسلم مكرم حيا وميتا.

تصوير : وكالة الصحافة الليبية
إلى أن يقتنع من يعنيهم الأمر بأن الإنسان قيمة منذ أن تكون نطفة فجنينا فطفلا فرجلا أو امرأة حيا وميتا يبقى العم عبد الله يمارس مهمته يستقبل جثامين الخدج ويرتبهم في الثلاجة وينثر البخور لعله يفلح في أن يخفي عوار ثقافة لا تعترف بإنسانية الخديج وتراه سلعة تالفة.
اوسمه
اظهر المزيد

أخبار وتقارير ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق